ابن تيمية
66
مجموعة الرسائل والمسائل
والإثبات يقول به بعض متصوفة الجهمية كالاتحادية وطائفة من غيرهم ، وهؤلاء الاتحادية يجمعون بين النفي والإثبات ، كما يقول ابن سبعين : عين ما ترى ذات لا ترى ، وذات لا ترى عين ما ترى . ونحو ذلك ، لأن مذهبهم مستلزم الجمع بين النقيضين ، فهم يقولون في عموم الكائنات ما قالته النصارى في المسيح ، ولهذا تنوعوا في ذلك تنوع النصارى في المسيح . ومن الأنواع التي في دعواهم أن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء من بعض الوجوه ، إن هذا لم يقله أبو عبد الله الحكيم الترمذي ولا غيره من المشايخ المعروفين ، بل الرجل أجل قدراً وأعظم إيماناً من أن يفتري هذا الكفر الصريح ، ولكن أخطأ شبراً ، ففرعوا على خطئه ما صار كفراً . وأعظم من ذلك زعمه أن الأولياء والرسل من حيث ولا يتهم تابعون لخاتم الأولياء وأخذوا من مشكاته ، فهذا باطل بالعقل والدين ، فإن المتقدم لا يأخذ من المتأخر ، والرسل لا يأخذون من غيرهم . وأعظم من ذلك أنه جعلهم تابعين له في العلم بالله الذي هو أشرف علومهم ، وأظهر من ذلك أن جعل العلم بالله هو مذهب أهل وحدة الوجود القائلين بأن وجود المخلوق هو عين وجود الخالق . فليتدبر المؤمن هذا الكفر القبيح درجة بعد درجة . واستشهاده على تفضيل غير النبي عليه بقصة عمر وتأبير النخل ، فهل يقول مسلم أن عمر كان أفضل من النبي صلى الله عليه وسلم برأيه في الأسرى ؟ وأن الفلاحين الذين يحسنون صناعة التأبير أفضل من الأنبياء في ذلك ؟ ثم ما قنع بذلك حتى قال : فما يلزم الكامل أن يكون له التقديم في كل علم وكل مرتبة ، وإنما نظر الرجال إلى التقدم في مرتبة العلم بالله ، هنالك مطالبهم . فقد زعم أنه أعلم بالله من خاتم الأنبياء ، وأن تقدمه عليه بالعلم بالله ، وتقدم خاتم الأنبياء عليه بالتشريع فقط . وهذا من أعظم الكفر الذي يقع فيه غالية المتفلسفة